طعم الزيت والزعتر

ليلة طويلة من الخوف والقلق. قضيناها في مكان مظلم مع مجموعة من أهالي الحي، وسط أصوات الانفجارات والقذائف التي تنهال حول المكان.

 

إمراة طاعنة في السنة تلاحق سيارة الأطفاء في حي العامرية في حلب لمحالة الحصول على المياه بسبب انقطاعها عن المدينة.تصوير: صلاح الأشقر

هناك في زاوية البيت، امرأة مصابة لا يكاد يتوقف صراخها وأنينها. أصيبت ساقها بشظايا أحد  الصواريخ التي سقطت قريباً من مسكننا. الرجال عاجزون أمام ألمها، ولا سبيل لنقلها إلى أي مكان لتلقي العلاج المناسب.  وسط انتشار القناصة على أسطح المنازل، والقذائف االعشوائية التي تنهال على المباني.

 

لم يغب عن ذهن كبيرة أسرتنا وقوعنا في مثل هذا الموقف. فحقيبة الإسعافات الأولية أصبحت رفيقة دربها. توجهتْ نحو تلك المرأة . هدّأتْ من روعها  وقامتْ بتعقيم جرحها وخاطته،  رغم أنه لم يسبق أن قامت بمثل هذا الفعل من قبل.  لتنعم  تلك المسكينة بعد ذلك  ببعض النوم ولو لوقت قصير.

 

وأخيراً حلّ الصباح ،  مع بعض الهدوء في الاجواء ، وأصبح بإمكاننا الخروج من المدينة إلى مكان أكثر أماناً .

 

أبت حاجّتنا الكبيرة أن تخرج من البيت، رغم الخطر المحدق بالمكان. أخرجت معها بعض المؤونة المخزنة في البيت ما يقي أولادها وزوجها من الجوع. لم تفكر بنفسها وبالخطر الذي قد تكون معرّضة له نتيجة وجودها في المطبخ المقابل لذلك القناص المترقب لأي حركة يسعد فيها بضحية جديدة.

رغم إلحاح أولادها عليها بالخروج من المطبخ والتوجه إلى السيارة، رفضت وكانت تطمئنهم أنها ستكون بخير. لم تخرج من المطبخ حتى حملت معها ما يكفي أسرتها وأسر أولادها من الجوع لمدة عشرة أيام على الأقل.

 

حملت من المؤونة ما يكفي العائلة، ويوفّر بعضاً من النقود التي ستهدر في سبيل الطعام.

في بداية الأمر لم ندرك أهمية ما قامت به. نظرنا الى ذلك الطعام على أنه شىء لسنا بحاجة إليه في هذه الأوقات.

خرجنا من البيت مسرعين، حاملين ما جهزته الحاجّة أم حسام من مؤونة، وتوجهنا خارج المدينة بحذر وخوف.

وصلنا ولله الحمد إلى مكان آمن، بعيداً عن المدينة.

 

لم يكن ذلك المكان يشبه بيتنا. لم يكن مجهزاً لاستيعاب أسرة يزيد تعدادها عن أحد عشر فرداً من الرجال والنساء والأطفال. بيت خالٍ من الأبواب الداخلية. لا شىء يفصل بين الرجال والنساء ليسمح ببعض الراحة والاسترخاء للطرفين.

 

قطعة زرقاء موجودة في زاوية البيت. إنها خيمة للرحلات، كان أصحاب البيت قد تركوها قبل رحيلهم. كانت سعادتي لا توصف فقد وجدت أنا وقريبتي مكاناً للنوم. يؤمن لنا بعض الاستقلالية.

لكن ما لبثت أن تلاشت هذه الفرحة، بقدوم صاحبة البيت لتأخذ تلك الخيمة. فهي ليست من ضمن الأثاث المؤجر لنا.

 

وما أن حل المساء وهدأت نفوسنا، حتى شعرنا بالجوع في وقت متأخر، مع انقطاع الكهرباء لا مجال لأحد للخروج من المنزل لإحضار الطعام. أدركنا حينها أهمية تلك الغنيمة التي خرجنا بها من المنزل. أدركنا أهمية العبارات التي قالتها كبيرتنا  التي خاطرت بنفسها من أجل توفير بعض النقود لأيام أصعب من يومنا هذا.

توجهنا إلى المطبخ،  وجهزنا عددا من سندويش الزيت والزعتر. كان طعمها لذيذاً جداً. طعم ممزوج بالأمان والسرور لكوننا جميعا بخير.

أدركت حينها أهمية تربية أولادنا على القناعة. أدركت حينها أهمية الزيت والزعتر.

رحمة الله عليك كبيرتنا أم حسام.