أحرقوا ذكريات الشيخ مسكين

صحيح أن مدينة الشيخ مسكين لم تنتفض مع بداية الثورة، لكنها كانت ملاذاً للعديد من الناشطين الفارّين من بطش النظام واعتقالاته، وكانت أيضا ملاذاً للمدنيين الذين نزحوا من عدة مدن متضررة ومنكوبة.

لم يطل الأمر بمدينة الشيخ مسكين التابعة لمحافظة درعا حتى سارت في ركب الثورة، وهو ما أدى إلى تعزيز النظام لقواته في المدينة، ووضع الحواجز واستشرس بكل مافي الكلمة من معنى، خصوصاً أن هذه المدينة كانت تعني الكثير للنظام، فقد كانت صلة الوصل بين مدينة نوى ومدينة إزرع، ويتواجد فيهما عدة ألوية وأفرع أمنية، بالتالي لن يتخلّى النظام عنها بتلك السهولة.

اتصل بنا أخي في صباح أحد الأيام ليذهب زوجي ويقلّه من بيته إلى بيتنا، وعند وصوله كان منهاراً تماماً. كيف لا وقد دفن للتو مع مجموعة من الأشخاص ابن عمي وزوجته، قضيا حرقاً. لقد كان ابن عمي في العقد الخمسين من عمره. كانوا قبل أيام من تلك الجريمة قد أحرقوا بيت أحد أبنائه. وقبل يومين كان قد ودع جاره الذي استشهد على يد أحد القناصة المتواجدين في هذا الحاجز. لم يكن لهؤلاء جميعاً ذنب سوى أنهم يقطنون هذا الحي الذي يتواجد فيه الحاجز، ورغب العناصر هناك بتهجيرهم من منازلهم، ليعيثوا في الحارة فساداً، فاتّبعوا سياسة الأرض المحروقة .

ما لبثنا بعد بضعة أيام أن سمعنا بحرق منزل أهلي، وهو في الحارة نفسها. أراد زوجي وأخي الذهاب والتأكد من الخبر، وبالطبع لم أقدر على منعهما، وخوفا عليهما ذهبت أنا أيضاً، علّني أكون أكثر اطمئناناً. كنّا نسلك طرقاً فرعية، حتى لا نمرّ من أمام هذا الحاجز، فقد عرفنا وسمعنا الكثير عن وحشية عناصره  وحبهم للاعتقالات وسفك الدماء.

رجل وزوجته في إحدى وسائل النقل المصنعة محلياً متجهين لعملهم في حي السكري في حلب. تصوير صلاح الأشقر

وصلنا إلى المكان المنشود، ركن زوجي السيارة، وجدنا بيت أهلي محروقاً. ويا للهول من فظاعة هذا المنظر .

أخذ رأسي يؤلمني بشدّة، أحسست بالخوف أكثر من ذي قبل. ماذا فعلت؟ وكيف رضيت بأن نأتي إلى هنا؟ ممكن أن يأتوا ويجدونا بالمنزل ويحرقونا كما فعلوا  بابن عمي وزوجته. ما الذي سيردعهم، وهل يوجد بالأصل شيء يردع مثل هؤلاء القتلة ؟ بدأت الأفكار تراودني وتطاردني ، وأنا أدخل البيت غرفة غرفة،  ورائحة المكان تفوح منه البنزين والمازوت وبقايا الرماد. نعم هذا المكان الذي كان لنا فيه ذكريات جميلة، ذكريات الطفولة،  هنا كنا نجتمع في كل أسبوع عند والدي . وهنا كان أولادنا يلعبون تحت دالية العنب ويتشاكسون ويأكلون الليمون ونحن عند البحرة جالسون.

لم يبقوا على أي شيء في المنزل، غرفة النوم والجلوس والصالون والمطبخ، أحرقوا كل شيء. لماذا أحرقوا حتى الذكريات؟ لم نكن قد أخذنا صور طفولتنا من البيت، نعم لقد أحرقوها أيضاً. وتلك الساعة الخشبية الأثرية المعلقة على الجدار، التي لطالما وددت أن آخذها معي من عند أمي ولكن خجلت، نعم لقد أحرقوها أيضا. حتى الحجر أحرقوه. هي بالنسبة لهم كومة من الأثاث والخردة، أما بالنسبة لنا هو عمر عشناه هنا، في كل زاوية منه لنا فيها ذكرى.

بعد معاينتي البيت بدأت أستعجل زوجي. أخي كان في منزله  بالقرب من منزل أهلي، بدأ بوضع بعض الأشياء بالسيارة. حملنا ما نقدر عليه من بيته. زوجي كان يعبّئ بعض المازوت لنأخذه معنا لبيتنا، كان المازوت ثروة، ومن العملة الصعبة لندرة وجوده، وإن وجد يوجد بأسعار باهظة.

وإن كان الموت لنا بالمرصاد، علينا التمسك بالحياة والمكافحة والنضال من أجلها. أخذنا ماأخذناه على عجل، ولملمنا أشتات أنفسنا وردد أخي دعاءه على بيته ليحصنه منهم، وغادرنا بسرعة. ربما كانت دقائق سريعة لكنني أحسستها ساعات طوال، من شدة خوفي ورعبي، كنت قد تركت أولادي بالبيت. ولاأعلم إن كنت سأعود إليهم أو لا. أو إن كنت سأجدهم أحياء أو أموات أو مصابين. فالقصف مستمر دائماً ولامجال للتنبؤات في مثل تلك الحالات.

وصلنا بالسلامة إلى بيتنا، ووجدت أبنائي وحمدت الله كثيرا على نعمته. فهم وإن سلبونا بيوتنا وذكرياتنا، فلن يسلبوننا كرامتنا وأحلامنا ومستقبلنا .

بعد فترة ليست بالبعيدة، علمنا أن الحاجز نفسه وضع متفجرات بمنزل إخوتي المكون من طابقين، فجروه وأزالوه من الوجود، عندما علموا أن الجيش الحر دخل إلى المدينة وأنه سيحررها منهم. هم يتبعون سياسة الأرض المحروقة، علّهم يخرجوا بنتيجة. ولكن هيهات وشتّان بين أناس نذرت نفسها للشهادة والوطن وتدافع عن عقيدة، وأناس نذرت نفسها لأشخاص معينين دونما هدف أو عقيدة.

وبالفعل دخل الجيش الحر، وتحررت المدينة، ولله الحمد انتهى هذا الحاجز وكافة الحواجز. لكن النظام لم ينتهِ من بطشه، وأبقى على قصف المدينة بالراجمات والطائرات والهاون. مازاد عدد المهجرين والنازحين على أمل بالعودة إلى بلدهم ومنازلهم.

 

هالة الحمصي (42 عاماً) متزوجة وأم لولدين، كانت تعمل في مجال التعليم خسرت عملها بعد الثورة واضطرت للهجرة منذ ما يقارب العام.