فريق كرة قدم لمبتوري الأطراف في إدلب

أعضاء الفريق يستعدون للمباراة وتسديد الأهداف تصوير دارين الحسن

عاد أحمد القدور لممارسة لعبة كرة القدم، ولكن هذه المرة بقدم واحدة بعد أن بترت قدمه الأخرى شظية صاروخ من طائرة حربية.

ما إن يسمع أحمد القدور (21 عاماً) صافرة البداية حتى ينطلق راكضاً وراء الكرة متكئاً على عكازيه، يهم أحمد في كثير من الأحيان ليقذف الكرة بقدمه اليمنى لكنه سرعان ما يتذكر أنها مبتورة.

أحمد هو أحد أعضاء “فريق المبتورين لكرة القدم” الذي تأسس من قبل مركز العلاج الفيزيائي في مدينة إدلب، بالتعاون مع نادي أمية الرياضي بهدف الدعم النفسي والعلاج الفيزيائي، وتحسين الصحة النفسية والجسدية للاعبين بما يساهم بحياة أفضل.

يقول أحمد القدور: “المعاق ليس معوّق الأطراف الجسدية، وإنما هو معاق الفكر والمستسلم للواقع، لذلك لن نجعل الظروف تحبطنا وتحد من عزيمتنا، بل سنقاوم بكل إرادة للوصول إلى هدفنا، والطريق الصحيح الذي يجعل منا ما نريد.”

ويضيف القدور: “قبل إصابتي كانت كرة القدم مهمة للغاية بالنسبة لي، واعتقدت بأنني لن ألعب مرة أخرى، لذلك شعرت بالفرح بعد تشكيل الفريق، وانضمامي إليه، حيث أصبحت هذه اللعبة ضرورة في حياتي، فهي المتنفس الوحيد الذي أعبر من خلاله عن همومي، وأخرج ما بداخلي من كبت، كما أقيم من خلال هذه اللعبة صداقات مع أشخاص آخرين، فلم يعد للصداقة أي وجود في حياتي منذ زمن طويل، كما تساعد كرة القدم  على تحسين فهم الناس لما يمكن أن نقدمه للمجتمع من مساهمة.”

مدرب الفريق محمد مرعي شيخ الحدادين (31 عاماً)  يقول: “الكثير من الشبان أصيبوا خلال الحرب السورية، وامتنعوا عن ممارسة كرة القدم التي تعد لعبتهم المحببة، ومن هنا جاءت فكرة تشكيل فريق كرة قدم خاص بهم، بهدف إخراجهم من حياة اليأس والعزلة، ودمجهم في المجتمع، وحثهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي”.

ويضيف المدرب: “الفريق تأسس منذ أكثر من سنتين، بعدد 6 لاعبين، لكنه حالياً يضم 25 لاعباً، من عمر 17 عاماً حتى عمر 45 ، حيث يضم الفريق مبتوري أطراف سفلية يلعبون، ومبتوري أطراف علوية لحراسة المرمى”.

ويتابع المدرب: “تكون المباريات ودية بين أعضاء الفريق، وللعبة قواعد لا يمكن تجاوزها، حيث لا يجوز للاعب لمس الكرة بالعكاز، كما يشترط بحارس المرمى أن يكون بذراع واحدة، كما يخضع اللاعبون لتدريبات مكثفة لتعويدهم على النشاط والحركة، باعتبار أنهم يعتمدون في لعبهم على عضلة ساق واحدة، لذلك نقوم بإجراء تمارين تتناسب مع صحة اللاعبين البدنية، لتقوية عضلاتهم وبناء أجسادهم”.

 ويؤكد شيخ الحدادين: “أن نشاطات الفريق لا تتوقف عند كرة القدم، حيث يتم تدريب الشبان على الشطرنج وكرة الطاولة والسباحة، كما يستعد الفريق للسفر إلى تركيا للمشاركة في بعض المنافسات”.

“الإصابة لم تمنعنا من ممارسة الرياضة التي يمارسها الأصحاء”. بهذه الكلمات يبدأ اللاعب عمران اليوسف (25 عاماً) حديثه لحكايات سوريا ويقول: “الرياضة التي نمارسها تعيد الأمل إلى نفوسنا، وتمنحنا الثقة بالنفس، وتزيل الشعور بالنقص والاختلاف”.

ويتابع اليوسف قائلاً: “إضافة إلى أنها تمكننا من استعادة توازننا الجسدي والمعنوي، وتنمّي قدراتنا البدنية، لذلك أحاول مع زملائي أن نقهر الإصابة ونحقق النجاح، رغم أننا نواجه صعوبات كثيرة جراء عدم وجود دعم مادي للفريق، إضافة لعدم وجود عكازات خاصة بممارسة الرياضة، وحاجتنا لوسيلة لنقلنا إلى الملعب”. وينصح اليوسف جميع المصابين والمبتورين بالمشاركة في أي نشاط من شأنه أن يرفع الروح المعنوية لديهم.

محمود الحجازي (33 عاماً) من مدينة إدلب كان متفوقاً بلعبة كرة القدم، حتى تسبب انفجار عبوة ناسفة ببتر قدمه. يقول الحجازي: “سمعت بتشكيل الفريق، لكنني ترددت قبل أن أنضم إليه، بسبب شعوري بالعجز والخوف، لكن حبي للكرة دفعني للمشاركة.”

ويضيف الحجازي: “بالتدريب والعزيمة نسيت إصابتي، وأصبح بإمكاني أن أخوض المباريات وأشعر بلذة النصر وفرحته، وأدركت أن هذه الإصابة لم تدخل حياتنا لتضعفنا بل لتقوينا، وتزيدنا إصراراً  .”

المرشد النفسي أيمن الشيخ أحمد (37 عاماً) أحد متابعي مباريات الفريق يقول: “يساعد النشاط البدني والرياضي في تحقيق الاندماج الاجتماعي للمصابين، لتأقلمهم مع ضغوط الحياة وتجاوز الشعور بالنقص”.

ويضيف الشيخ أحمد: “عندما يسيطر اليأس علي، أذهب لأراقب أعضاء فريق المبتورين أثناء اللعب لأستعيد بعض عزيمتي، حيث أشاهد أشخاصاً لا يعتبرون أنفسهم مجرد معوّقين، وإنما رياضيين في المقام الأول، وهذا يعتبر تحولاً عميقاً في كيفية طرح أنفسهم أمام المجتمع وبقية العالم  .”

أم أسامة (49 عاماً) والدة أحد لاعبي الفريق تتحدث عن مدى استفادة ولدها من هذا النشاط الرياضي بقولها: “تعرض ولدي لإصابة أدّت إلى بتر قدمه، فعكست الإصابة لديه ضعف الشخصية والظهور بمظهر التعب الدائم. كما أصبح معزولاً عن الآخرين، وسيطر اليأس والإحباط على حياته، ولكن بعد انتسابه للفريق استعاد طاقته وتغيرت نفسيته بشكل كلي، فقد استطاع أن يضع مع رفاقه الإصابة وراء ظهورهم للانطلاق نحو مواهبهم بكل إصرار.”