بعد أهلي وزوجي… تحرّرت!

نساء يتعلمن القراءة والكتابة في إحدى دورات محمو الأمية في ريف إدلب - تصوير معهد صحافة الحرب والسلام

نساء يتعلمن القراءة والكتابة في إحدى دورات محمو الأمية في ريف إدلب - تصوير معهد صحافة الحرب والسلام

عشتُ في كنف عائلة متعصبة لناحية العادات والتقاليد. ووصلت إلى مرحلة الدراسة الثانوية في العام 2007. والدي يظنّ أنّ العالم كله ذئاب بشرية، لذا فقد مارس علي الكثير من الضغوطات النفسية بسبب خوفه المفرط علَي…!

وبعد نجاحي بمعدل ممتاز، منعني والدي من إتمام دراستي بحجة… خوفه علَي!  اضطررتُ أن أقبع في منزل أهلي لعدة شهور، وأن أرى أحلامي تنهار الحلم تلو الآخر، خلف قضبان نافذة غرفتي.

 

كان يتقدم العرسان لخطبتي، لأني صغيرة ومن عائلة محافظة، لكن كنت أرفض الإرتباط على أمل أن أعود للدراسة.  إنما لم يكن ذلك مجدياً للأسف… وقبلت بالزواج من أحدهم بعد فترة.

 

تزوجت زواجاً تقليدياً، لأني كنت في حينها بحالة نفسية يرثى لها من شدة اليأس والحزن… كنت بعمر الثمانية عشر عاماً، والشاب الذي تزوجته كان يكبرني بعشرة أعوام. لم أكن مقتنعة به تماماً، لكن كانت تلك وسيلتي للخروج من منزل أهلي المكبّل بالقمع، الذي يفسرونه على أنه بداعي الحرص والحذر.

 

وللمفارقة، أني في بداية زواجي عشت حياةَ زوجية لطيفة. وبالفعل تقبّلت حياتي الجديدة. وراح زوجي يرسم البهجة على وجهي ويرمي معاناتي مع أهلي خلف ظهري. وكنت أمضي وزوجي نحو حياةٍ أفضل…

 

للأسف كان ذلك في البداية فقط! فبعد مضي أربعة أشهر، انقلبت معاملة زوجي لي رأساً على عقب! صار يقمعني، ويمنعني من إبداء رأيي بأي موضوع، حتى وإن كان الموضوع يخصني بشكل مباشر!

 

وصار يضربني… وأحياناً عندما كان يهدأ وأسأله عن سبب ضربه، يجيبني جواباً غبياً للغاية، أنهُ من شدة حبه لي يضربني كي أتعلم الصواب من الخطأ! صبرت عليه متأملة أن يكف عن ذلك… لكن بات ذلك محالاً،  فكل يوم يمضي كان يزداد وحشيةً وعنف.

 

مضى قرابة الثمانية أشهر على زواجنا وهو على ذات المنوال… فصرتُ أهدده بأن يحسن معاملته أو أني سأتركه إلى غير رجعة. لكنه لم يصدّقني واستهزأ بكلامي! ولسوء حظي، أني عندما حسمت أمري بطلب الطلاق، عرفت أني حامل بطفلي الأول! فأقلعت عن فكرة الإنفصال من أجل طفلي، كي يعيش مع أمه وأبيه. مضت أربع سنوات على زواجي، وكبرَ طفلي… لكنني وصلت لمرحلة أني كرهت زوجي، لأنه يستمر بإساءة معاملتي.

 

زوجي وأهلي يتشابهان. زوجي مقتنع بأنّه حين يضربني يعلّمني، وأهلي كانوا مقتنعين أنّ تعصّبهم يحميني!

أصبتُ بحالة نفسية سيئة للغاية… أصابني الأرق ولم يعد لدي القدرة على النوم، وصرت أعاني من ظهور الشحوب على وجهي… وأشعر بالإختناق من وجود زوجي معي!

 

نفذَ صبري بعد هذه السنين، وقررت رفع دعوى قضائية ضد زوجي لطلب الطلاق… كان ذلك في قصر العدل في دمشق. صار زوجي يتهرّب من مواعيد الجلسات لمدة عام كامل… وأنهكتني إجراءات الطلاق  ومصاريف المحامي… وكل ذلك حصل في السنة الأولى للثورة في العام 2011.

 

عرفت أنَّ زوجي ينوي السفر خارج سوريا من أجل العمل… أصدرت ضده مذكرة بحث ومنع سفر، كي يتم الطلاق أو الخلع قبل السفر! في يوم اتصل بي، وتوسّلني أن أتنازل عن القضية وأن نعود لسابق عهدنا معاً! وبأنه سيتغير وعرف غلطه معي! كما اقترح علي السفر معه بصحبة طفلنا…

 

رفضت اقتراحه، فأربع سنوات من العذاب كانت تكفي كي أعرف نواياه! تنازلت له عن النقد المؤخّر وأعطيته الذهب الذي حصلت عليه يوم زواجي منه، على أن يُبقي طفلي معي ما حييت… قبلَ بعرضي وأخيراً، وبالفعل… حصلت على ورقة طلاقي كما أردت!

 

أهلي معي ودعموني في خطوة الطلاق… وعدتُ إلى منزلهم برفقة طفلي ذي الثلاث سنوات.

 

بعدها، تصاعدت حدّة الأحداث في دمشق، وصار لزاماً علينا الهرب إلى كفرنبّل! ووصلنا بعد معاناة طويلة، وبعد نزوح تلوَ الآخر. ثمَّ هبّ الثوّار لتحرير المنطقة، وكنت ما أزال أبحث عن فرصة تجعلني أعتمد على نفسي في تربية إبني، خاصة وأني لم أستطع بسبب الأحداث إكمال دراستي بعد انقطاع لسنوات.

وجدتً وظيفة في مركز نسائي لتعليم مهنة النسيج اليدوي والتي كانت أتقنها من قبل… كما أجريت دورة تدريبية في مجال الإعلام والتصوير، وخضعت لدورات في مجال التمريض. كانت تلك مهارات اكتسبتها وطوّرتها في ظل ظروف الحرب التي نعيشها.

 

منذُ خمس سنوات إلى الآن، وأنا أمضي على ذات المنوال… أطوّر من نفسي نحو الأفضل بالرغم من كل الصعوبات. صار عمر إبني الآن 8 سنوات… وأنا أمضي بقوة، لأنني لا أحب الوقوف على عتبة الإستسلام والفشل والنظر للأفق البعيد دون أمل… ولأنني تحرَّرت من زوجي، وخففتُ من سلطة أهلي…

ها أنا أُحقق نفسي وأثبت أنّ المرأة السورية لها دور كبير في كل الأوقات.

 

روشان الإبراهيم (27 عاماً) مطلقة وأم لطفل واحد. خضعت لكثير من الدورات وهي تسعى لتطوير نفسها بشكل دائم.