الأسواق المتجولة في سوريا إرادةُ حياة

سيارات النقل تحولت لمحال لبيع الملابس تصوير سونيا العلي

سيارات النقل تحولت لمحال لبيع الملابس تصوير سونيا العلي

أبو عمر (45 عاماً) يخرج من منزله مع خيوط الفجر الأولى، ليقود سيارته إلى سوق معرة النعمان العام. يملأ صندوق السيارة بأنواع الخضار والفاكهة، ثم يجوب ببضاعته أحياء المدينة باحثاً عن رزق أولاده… ويعود في المساء مُتعباً وقانعاً بما جناه من أرباح.

 

الأسواق المتجولة، ظاهرة انتشرت مؤخراً بشكل واضح في إدلب وريفها، بعد استهداف النظام بشكل متكرر للأسواق الشعبية، ما أوقع العديد من الضحايا.

 

النظام جعل من المراكز الحيوية أهدافاً أساسية لطائراته، وخاصة الأسواق الشعبية، كونها تمثّل عصب الحياة، وفيها يتمكّن المواطنون من الحصول على احتياجاتهم بأسعار مناسبة. ولذلك وجد النظام باستهدافها، فرصة لتعطيل الحياة اليومية… ما يعقّد من أمور الناس المعيشية، ويُسهم في فرض الحصار على المناطق الخارجة عن سيطرته.

 

الباعة المتجوّلون، تمرّدوا على هذا الواقع، وقرروا أن يحملوا بضائعهم إلى الأهالي أينما وجِدوا… سواء في منازلهم أو في مخيماتهم.

 

أبو عمر، أحد هؤلاء الباعة، يُحدثناً عن عمله قائلاً: “معظم الأهالي باتوا لا يخرجون من منازلهم إلا عند الضرورة. وباتوا يشترون حاجياتهم من البائعين المتجولين. لذلك اخترتُ أن أكون بائعاً متجولاً، وأبيع ألواح الثلج في فصل الصيف حينَ يشتد الحر، ويفتقر الناس إليه بسبب انقطاع الكهرباء. وفي الشتاء أبيع الخضار والفاكهة”.

 

وفي معظم الأيام يبيع أبو عمر كل ما لديه، بسبب الطلب المتزايد من أهالي المنطقة والنازحين من المدن الأخرى. ويصطحب أحد أبنائه، ليُنادي بما لديهم من بضائع وأصناف… ويخرج الناس من منازلهم لشراء ما يلزمهم.

يقول أبو عمر: “نضطر كمتجولين لرفع الأسعار قليلاً عما هي في الأسواق، بسبب غلاء أسعار الوقود، كوننا نتنقل بسياراتنا… لكننا نبقى نراعي الأوضاع المادية للأهالي”.

 

أبو عدنان (50 عاماً)، أحد التجّار الخضار بالجملة في مدينة معرة النعمان. يؤكّد أبو عدنان أنّ معظم زبائنه من أصحاب الأسواق المتجولة، الذين يقصدون القرى الخالية من الأسواق، أو المدن والبلدات التي تتعرّض أسواقها للقصف.

 

يقول أبو عدنان لموقع حكايات سوريا: “حركة البيع والشراء داخل الأسواق باتت ضعيفة جداً. معظم التجّار يشكون من كساد بضائعهم، حيثُ تراجعَ البيع بنسبة كبيرة جداً. لذلك وجدَ بعضهم في الأسواق المتجولة فرصة لتصريف بضائعهم… فـالخبز والخضار والفاكهة، وحتى الملابس والمنظفات باتت تصل إلى المنازل”.

 

بديع البلان (29 عاماً) من بلدة حاس، جعل من شاحنته الصغيرة متجراً يضم أنواع الملابس الشتوية والصيفية لجميع الفئات العمرية. يقول لموقعنا: “كنتُ أبيع الملابس على بسطة في الأسواق الشعبية. بعد تزايد القصف الجوي من النظام باستهداف الأسواق، قررتُ التنقل بين القرى والمدن لبيع بضائعي. وكذلك أبيع الملابس بالجملة، لبعض النساء اللواتي يبعن داخل المنازل. الأسواق العامة أصبحت لدى الكثيرين من الماضي”.

 

الكثير من الأشخاص لقوا مصرعهم أثناء تواجدهم في الأسواق العامة، فها هي أم أسعد من بلدة كفرومة (31 عاماً) يعتريها حزنٌ شديد حين تتذكر اليوم الذي استشهد فيه زوجها. وكان ذلك أثناء تواجده في سوق معرة النعمان. تقول أم أسعد: “بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر2016، ذهبَ زوجي إلى السوق لشراء بعض الحاجيات. حينها استهدفت غارة جوية للنظام السوق، فسقط أكثر من ثلاثين شهيداً، وكان زوجي واحداً منهم، في مجزرة مروّعة، لم تكن الجريمة الأولى التي يرتكبها النظام في المدينة”.

 

وتشير أم أسعد إلى أنها بعد تلك الحادثة لم تعد تذهب إلى السوق، كما لا تسمح لأولادها بالذهاب إليه. باتت أم أسعد تُحصي ما يلزمها من حاجيات، وتنتظر الباعة المتجولين، منصتةً إلى مناداتهم، لتشتري منهم ما يلزمها.

 

أحمد الديوب (39 عاماً) نزحَ من ريف حماة، وقصد مخيم النازحين في قرية جرجناز. أحمد لا يملك سيارة أو وسيلة نقل، لذلك يحمل كيساً على ظهره، ويضع فيه بعض الأواني المنزلية من مستلزمات المطبخ. يجوب أحمد مع كيسه في أحياء القرية، عارضاً بضاعته على الناس.

 

يقول أحمد عن عمله: “بسبب قلة فرص العمل ومرارة الحاجة، لجأتُ إلى بيع الأواني، لتحصيل لقمة العيش التي باتت في هذه الأيام صعبة المنال… ووجدت هذا العمل خيراً لي من انتظار المساعدات الإغاثية. فأحياناً أبيع كل ما لدي وأعود إلى المخيم ثانيةً، لأحمل المزيد، ورغم صعوبة العمل، إلا أنهُ مناسب لي، نظراً للإقبال الجيد من الناس على الشراء”.

 

التقى موقع حكايات سوريا بـ عماد الكردي (40 عاماً)، أحد أعضاء المجلس المحلي في معرة النعمان، وتحدَّثَ لنا عن أهمية الأسواق المتجولة، قائلاً: “لقد أصبحت هذه الظاهرة ضرورة ملحّة بعد أن جعل النظام حياة شعبه أرخص من كل شيء. وبعد أن جعل من الأسواق هدفاً لطائراته، كونها تُشكِّل نقاط تجمُّع للمواطنين، ما يساعده على توسيع جرائمه كنوع من العقاب الجماعي للمدنيين. لذلك فإنّ الأسواق المتجولة من الوسائل البديلة التي تدل على أننا سنظل صامدين ومستمرين في هذه الحياة، بمواجهة أقسى الظروف بين أمنٍ مفقود ونصرٍ مرتقَب”.

 

الطفل مازن (7 سنوات)، يمسك بيده مصروفه اليومي، ويجلس أمام باب منزله بانتظار بائع الكعك والمعجنات، الذي يمر بدراجته النارية واضعاً صندوقاً مليئاً بأصناف الكعك خلفه.

يفرح مازن كثيراً، حين يرى بائع الكعك قادماً، ويترنّح مستمعاً لصفارته، قبل أن يتقدّم حين يصل البائع إلى باب منزله، فيشتري منهُ كعكة.

 

أم مازن لا تسمح لهُ بالذهاب إلى الدكّان، لأنه بعيد عن منزلهم. هي تخاف عليه في ظل هذه الظروف.

لذلك يشتري مازن كل يوم كعكة محشوة بالتمر من البائع المتجوّل، فيستمتع بها…كعكة لا تغنيه عن رغبته بالذهاب إلى المدرسة التي حُرِمَ منها بسبب الحرب. وحربٌ لم تمنع السوريين من النضال من أجل استمرار الحياة.