أصبحت طبيبة دون إكمال دراستي

بجرأة وثقة بالنفس تبدأ ولاء بسرد قصتها عندما تعرضت للاعتقال من قبل الأمن السياسي، حين كانت في جامعة حلب، تدرس السنة الثالثة في تخصص الطب البشري. ولاء (21 عاما) واحدة من طالبات جامعيات كثيرات تعرضن للاعتقال من قبل النظام نتيجة أحد التقارير أو تشابه أسماء أوغيرها من الأسباب، وهذا ما أدّى لوضع حياتهن الاجتماعية والدراسية على المحك من دون أي ذنب.

تقول ولاء “منذ صغري وأنا متعلقة بالدراسة وكنت متفوقة في كل دروسي، وعندما كبرت وأصبحت في البكالوريا ثابرت واجتهدت، وحصلت على أعلى العلامات، دخلت فرع الطب البشري الذي لطالما حلمت بدخوله”.

منذ انطلاق الثورة السورية شعرت ولاء بلهفة المشاركة مع الشعب ما يصبو إليه في طلب الحرية والكرامة، وكان لها مشاركات صغيرة في بعض المظاهرات التي خرجت في مدينتها كفرنبل. وعملت في بعض المشافي الميدانية تطوعا لعلاج المصابين والمرضى.

صورة لإحدى العيادات الطبية المتنقلة في إدلب تصوير رزان السيد

لم تتوقع ولاء أن يرد اسمها في تقرير للأمن السياسي في حلب، ذلك أن عملها الثوري كان في غاية السرية والحذر. تم اعتقالها من الحرم الجامعي في شباط/فبراير 2015، واقتادوها إلى فرع الأمن السياسي حيث تجرى التحقيقات. تصف ولاء حالتها حينها باللقول “شعرت أن قلبي سيتوقف لهول ماكنت أسمع عن هذه الأفرع ، والمعاملة السيئة التي يتعرض لها السجناء هناك وخاصة الفتيات”. تذكر ولاء أنها دخلت غرفة ضابط التحقيق، الذي بدأ باستجوابها عما كانت تفعله من مشاركة في المظاهرات وعمل في المشافي الميدانية، وهذا ما ورد ضمن تقرير موثق حتى بالتاريخ والوقت. بذكائها كانت ولاء تدعي أن الصدفة هي التي دفعت بها لهذه الأمكنة، “بينما كنت أغادر مكان الدراسة حيث أجري دورات لبعض المواد كانت المظاهرة تمر أمام المعهد في مدينتي كفرنبل، فاضطررت للسير معها للوصول الى منزلي، أيضا كنت أذهب لمشفى الخطيب التخصصي لزيارة صديقتي، هي إبنة مدير المشفى فمنزلهم كان في الطابق العلوي”.  شعرت ولاء أن ردودها هذه أقنعت الضابط نوعاً ما. ورغم ذلك أمر بسجنها على ذمة التحقيق. دخلت ولاء مخدع يضم عدداً كبيراً من النساء المعتقلات يقارب عددهن 71 امرأة، ثم اردفوهن بثلاثة فتيات جامعيات من قسم علم الاجتماع.

عن المعاملة داخل السجن تقول ولاء “كانوا يعاملون النساء والفتيات بغاية اللطف، ولم يتعرضوا لأي منهن بالاعتداء أو التعذيب، على عكس الذكور الذين يتم اعتقالهم، كنا نسمع صوت تعذيبهم الوحشي من الغرفة المجاورة. وكانوا يجبرونهم على الاعتراف بأشياء لم يفعلوها تحت وطأة التعذيب”. وتضيف ولاء “كانوا يحرمونهم من الطعام والشراب طيلة اليوم ما عدا وجبة واحدة لا تسمن ولاتغني من جوع، بينما كانت الوجبات تصل إلى المعتقلات صباحاً وظهراً ومساءً”. كانت ولاء وصديقاتها يهرّبن بعض الطعام سرّاً إلى لمعتقلين  في المنفردات، ذلك أن باب السجينات كان مفتوحا ماعدا الباب الخارجي.

أمضت ولاء مدّة شهرين داخل المعتقل قبل أن يتم الإفراج عنها، وعن بعض الطالبات ممن لم يثبت عليهن أي شيء. عادت ولاء إلى منزلها فرحة بالحرية ولقاء اهلها. ولكنها كانت تشعر بالإحراج مما قد تسمعه من اتهامات وانتقادات لاذعة، وأكثر ما أحزنها وتفطر قلبها له أنها لم تعد تستطيع إكمال دراستها، بعد هذه الحادثة لم يعد أهلها يثقون أنها لن تتعرض للاعتقال مستقبلاً.

تعتبر ولاء أن أهمّ ما حدث معها بعد اعتقالها وعودتها إلى منزلها سالمة، كانت زيارة مديرة مركز مزايا للنساء في كفرنبل غالية الرحال لها وتهنئتها بالسلامة. الرحال عرضت يومها على ولاء أن تعمل كطبيبة مع كادر طبي من الفتيات ضمن سيارة طبية متنقلة في ريف إدلب، للمساعدة في إسعاف الجرحى والمصابين والمرضى. وافقت ولاء وكانت جد سعيدة.

والدة ولاء أم محمد (45 عاماً) تقول “رغم قلقي الشديد على ابنتي أثناء اعتقالها كنت أعرف أنها واعية وذكية، وأنها ستتصرف بحكمة”. هذه الحكمة في التصرّف أثناء لاعتقال تتمثل للأم بأن ابنتها “مستعدة للانتحار إذا تعرضت لمحاولة اغتصاب داخل السجن”. وتحمد الأم ربها أن ابنتها لم تتعرّض لسوء. ورغم كل هذا تشعر أم محمد بالحزن على ترك ابنتها للدراسة.

شقيق ولاء وائل (24 عاماً) يقول “أنا أيضاً تركت دراستي في الهندسة نتيجة سؤال الأمن عني في الجامعة. وأنا الآن أعمل في سوبرماركت ريثما تنتهي هذه الأزمة. أشعر بالسعادة لأن أختي ولاء وجدت عملاً فهو سيعوضها قليلاً عما حدث معها ويخرجها من جو العزلة الذي وضعت نفسها به لتتخلص من القيل والقال”.

وتختم ولاء حديثها بالقول “صحيح أنني خسرت دراستي، ولكنني كسبت ما كنت ابحث عنه، وهو المساهمة بالثورة ضمن دراستي وعملي، وسأبقى وفية لثورتنا حتى آخر رمق”.

رزان السيد (28 عاماً)، متزوجة أم لثلاثة أبناء، تحمل إجازة من كلية التربية وتعمل مدرسة في معرة النعمان.