كرتونة بنكهة الفرات

ورد العاصي

“هنا ديرالقلوب: ولسوريا ملائكةٌ تحمل حزنها.” هذه الجملة المكتوبة على صفحة من صفحات فيس بوك لفتت انتباهي قبل أيام وأنا أبحث عن أخبار مدينتي ديرالزور. دفعتني هذه العبارة إلى أن أتعرف أكثر على الصفحة التي أطلق عليها شباب من المدينة المنكوبة اسم “كرتونة من ديرالزور”.

على الصفحة رأيت صور كراتين (لافتات مصنوعة من الورق المقوّى) سوداء اللون وعليها عبارات كتبت بالأبيض، مثل “ما يحصل ليس أزمة… هو حل لأزمة عمرها أربعون عاماً” أو “كفرنبل لافتاتك أسقطت طيرانهم يا بهية” أو”مخيم فلسطين أنت أمنا الحنون رغم اسمك المذكر” وغيرها من الكراتين.kartoneh-1

يقول شباب “كرتونة” إنهم سيدافعون عن مدنيتهم وعشقهم للحرية. اختاروا ألوان الصفحة التي تذكّر بألوان “سبورة” المدرسة وطباشيرها.

“الأسود هو لون الحزن عادةً لكننا ورغم ذلك جعلنا منه أفقاً للخيال والحب والفرح. أسسنا صفحتنا لنرفع ولو جزءاً صغيراً من التعتيم عن المدينة المهمشة.”

يرى شباب دير الزور أن المدينة مهمشة من قبل إعلام الثورة ومن “المجلس الوطني السوري” ومن الكثير من الجهات الدولية. فهم لا يرون أي خبر عن مدينتهم، على عكس أخبار باقي المدن في سوريا، رغم عدم تقصيرهم في إرسال الفيديوهات والأخبار اليومية، حسب قول أحد الشباب.

تواصلتُ مع القائمين على “كرتونة” وسألتهم عن المدينة وأهلها، عن أهلي وعن أصدقائي هناك، فكان الجواب، “المدينة مدمرة بالكامل، ولكننا لن نخرج.”

شباب “كرتونة” مدنيون، لم يحملوا السلاح يوماً، رغم القصف والحصار الذي بدأ في منتصف يونيو/حزيران من الصيف الماضي.

“كل شيء مدمر: السوق المقبي، المدارس، المحال التجارية، والشوارع الرئيسية والفرعية، إدارة النفوس، مباني الحزب، المساجد، أقسام الشرطة وعشرات الآلاف من المنازل،” يقول كريم، وهو أحد الشباب الذين يعملون مع الصفحة في دير الزور. “بقي القليل من المباني في بعض الأحياء لم تدمر وهي التي تأوي الآلاف القليلة المتبقية من السكان.”

القائمون على “كرتونة” شباب من قلب المدينة يريدون حمايتها بكراتينهم وعملهم التطوعي. هم مجموعة مؤلفة من 16 ناشطاً مقيمين في المدينة. وهناك آخرون يتجاوز عددهم الـ 31 نزحوا عن دير الزور ولكنهم يتعاونون مع الناشطين في المدينة على تقديم الإغاثة.kartoneh-2

تقول ربا، إحدى مؤسِسات “كرتونة”:

“حياتنا اليومية شبه معدومة فنحن لا نقوم بأي نشاط من نشاطاتنا المعتادة كمدنيين. نحن اليوم لا نقوم إلا بتوزيع المواد الطبية والإغاثية، ونزور الجرحى ونعمل على تدريس بعض الأطفال واللعب معهم إن استطعنا.”

يقوم شباب “كرتونة” أيضا بحملة لتوثيق العوائل المتبقية في المدينة المحاصرة والتي لا يتجاوز عددها 640 عائلة.

“نتجول في لحظات الهدوء القليلة محملين بالكاميرات والقليل من الأوراق،” تقول ربا.

الهدف من التوثيق هو معرفة الأسماء والأعداد لكي يسهل على الناشطين امداد السكان بالمؤن والتأكد من سلامتهم: “لسنا أبطالاً ولسنا مثالاً لأحد. نحن ننشط اليوم لأننا نثق بقدوم أيام أفضل في المستقبل من الممكن أننا لن نشهدها ولكن قد يعيشها غيرنا.”

ويذكّر عبد الناصر بأعضاء “كرتونة” الذين قتلوا أثناء عملهم:

“لقد استشهد من شباب الصفحة الصديق الأعز على قلوبنا، أصيب بشظية مدفع هاون وهو يقوم بتغطية لأحد الأحياء المنكوبة استشهد هو وبعض المدنيين من الحي نفسه. كما استشهد شاب آخر وهو كان يعمل معنا ولكن بصفة تطوعية. أصابه قناص في حي الجبيلة.”
kartoneh-3

أما ما يخص الكراتين وتصميمها، فهناك سبعة شباب مسؤولون عن صياغة الجمل وتدوينها.

“لا ندخل التقنيات في عملنا ونصر على الطابع الفطري فيه. نكتب بخط اليد وبدون تكلف، نستخدم الطباشير فقط”، يقول شاب من أعضاء “كرتونة”، ويتابع: “نختار جملنا بعناية وبعد التشاور بين بعضنا البعض. نتجنب رفع أي شعار ديني أو طائفي أو عسكري ونكتب كراتيننا وفقاً لما يجري في سوريا. كرتونتنا فعل ثوري ونعلم أنه جزء من سلسلة أفعال الثورة.”

خصص الشباب كرتونة تحت إسم “بطاقة حرية” وهي ترفع أسماء معتقلين سوريين. كرتونة أخرى تحمل إسم “إشارات مرور سوريا الجديدة” وهي ذات طابع توعوي وتهدف لمنع أي شعار طائفي او أي تجاوز ولو غير مقصود يمس بمعتقدات وقناعات الآخرين: “نركز على نبذ الطائفية لقناعتنا المطلقة أن النظام هو من يغذي هذه الفكرة ويحاول تكريسها في الشارع السوري”، يقول أحد المشاركين في اختيار الشعارات.

اختتمت تواصلي مع شباب “كرتونة” بالحديث مع وليد:

“رفعنا المئات من الكراتين في الشوارع قبل الحصار، أما اليوم فنلتزم برفعها داخل الغرف والأماكن المغلقة، وطبعاً في العالم الافتراضي.”